المنبرالحر

مقترح مشروع المنظمة العراقية للدفاع عن حقوق الإنسان / فرات المحسن

طبيعة التغيير الذي حدث بعد سقوط سلطة حزب البعث في العراق عام 2003 ورغم كونه جاء عبر احتلال أجنبي، ولكن وفي مجمل الأحوال لا يمكن النكران، أنه منح العراقيين فرصة مغايرة للتعبير عن أفكارهم ومحاولة المشاركة في بناء مستقبل جديد يضمن حاجاتهم للديمقراطية، عبر توفر حريات اقتصادية وبعض الحقوق المدنية ومشاركة سياسية في الشأن العام. ولم يكن مثل هذا الحلم في أفاقه المرجوة ببعيد المنال لو توفرت للبلد قيادات حكيمة تعالج بصورة أساسية عقلانية الروابط بين الهياكل الجوهرية في السياسة والاقتصاد .ففي بلد مثل العراق انهارت فيه مؤسسات الدولة جراء سياسة الولايات المتحدة وهي الدولة المحتلة التي عملت بإصرار على تفكيك بنى الدولة فيه، دون بدائل عقلانية. فأن التحول الديمقراطي الذي تمثل بتشكيل السلطة لم يكن يسير قدما دون أن يواجه الفشل، كونه يعتمد بالأساس على صفات وحكمة من يمتلك القيادة ويدير شؤون الدولة. فهؤلاء وعلى مدى الأحد عشر عاما الماضية مثلوا النماذج الأكثر فشلا في إدارة المؤسسات. ولم يقدموا لحد الآن أنماطا توحي بالتغيير عن ما كانت تعمل عليه سلطة حزب البعث في إدارة الدولة، بل بزوها في سوء إدارة وتسيير المؤسسات السياسية والاقتصادية، وأفصحوا عن تضارب غرائبي في مستويات صنع القرار الذي بدوره أخفق في تحقيق التنمية وسوء في أوجه الأنفاق العام وبالذات فيما يتعلق بالبرامج الاجتماعية والاقتصادية. ومثل التفاوت والغبن في توزيع الثروة أحد أهم العوامل في أثارة النزاعات بين أبناء البلد الواحد. والملاحظ في المشهد السياسي السلطوي، اختفاء أي ملمح لبناء ثقافة سياسية تدعم التحولات التي طرأت على حياة العراقيين، وهذا بدوره أثر تأثيرا فاعلا في الإخفاق الذي رافق ولازال قضية بناء مؤسسات سياسية ديمقراطية رصينة تقوم بأجراء تعديلات جوهرية على هياكل مؤسسات الدولة ومثلها المؤسسات الاجتماعية.
مثلت الانتخابات النيابية وبعض الحريات الممنوحة للأعلام نقلة نوعية في حياة الشعب العراقي. ورغم كونها تمثل ضرورات على طريق الديمقراطية، ولكنها تبقى غير كافية أن لم تترافق وبشكل مضطرد مع العديد من فروض الحريات المدنية، ليكون الناس من خلالها ركنا أساسيا في الشراكة الوطنية وبناء المجتمع الديمقراطي، حيث تسير قرارات البناء اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا تحت نظر ومشاركة أبناء الشعب ومؤسساته الوطنية المتمثلة بالأعلام والاتحادات المهنية والجمعيات المدنية . لتصبح تلك المشاركة ترسيخا لمكانة تلك القطاعات وزيادة في قدراتها على التأثير في قرارات السلطة وعندها يمكن أن تسير عجلة المجتمع نحو الديمقراطية.
بالرغم من وجود الكثير من البنود التي احتواها الدستور العراقي الذي توافقت عليه القوى السياسية العراقية، والتي تؤكد في فحواها على الحريات المدنية والمساواة والعدالة الاجتماعية، فأننا نجد أن تلك البنود غالبا ما تتعرض للانتهاكات بشكل يومي فج من قبل السلطات المتعددة والمليشيات التابعة للأحزاب، وأيضا من قبل الكثير من الأفراد والجماعات داخل السلطة وخارجها. وتلك الإساءات تتطلب تغيرات جوهرية في السياسات الاقتصادية الاجتماعية وقبلها إدارات الدولة لضبط إيقاع التحول والسير في طريق البناء الصحيح.
مازال الوضع الأمني يمثل أكثر الضغوط المانعة والحاجبة للحريات. ومافتئت العديد من مؤسسات الدولة وكذلك بعض الأحزاب المشاركة في العملية السياسية تتكئ على هذه الموضوعة لتجعلها في صلب هواجسها ومخاوفها التي تدفع للمانعة في إطلاق المزيد من الحريات داخل أوساطها وأيضا وسط المجتمع. ومثلت اشتراطات ورؤى المؤسسات الدينية والتقاليد والأعراف الاجتماعية مصدات كابحة يعيل عليها الكثير من الأفراد والجماعات وتصطف معهم العديد من الأحزاب، لتكون وتبقى مقدمات للتهديد والإرهاب اليومي لجميع دعاة الديمقراطية والحريات المدنية. ومثلت العشائر والمليشيات الدينية والسياسية بجميع تلاوينها ومسمياتها الذراع المنفذ لتلك التهديدات وقد مورست دون رحمة تصفيات جسدية وإرهاب علني للعديد من دعاة بناء الدولة المدنية. وتوجد في المحاكم العراقية اليوم آلاف الشكاوى حول تلك الجرائم، ولكن دائما ما سجلت ضد مجهول أو حجبت جراء التهديدات والمخاطر التي توجه في الأساس للقضاء العراقي. وجميع تلك الشكاوى تقع في باب الإساءة والتعدي وحجز الحقوق وصولا إلى جريمة القتل العمد. وعلى ذات المنوال تنتهك كرامة البشر في جميع مناطق النزاع داخل العراق من قبل العديد من القوى، ويقع ثقل جميع تلك الجرائم على السكان المدنيين الذي تمارس ضدهم أشكال متعددة من الإرهاب وسلب الحريات. وباتت عمليات التهجير واحدة من أخطر التداعيات على الأوضاع العامة للعراقيين. فالنزاع المسلح دائما ما اضطر معه العديد من سكان المناطق الساخنة على هجر مساكنهم وفقدانهم لمصادر العيش وحرمانهم من الخدمات والتعليم والغذاء والبيئة الصحية وغيرها الكثير. أيضا كان ومازال تدني مستوى التعليم والمعارف بموازاة تفشي البطالة، بؤر خصبة للعديد من أنواع المخالفات القانونية وممارسة الإساءة دون محاسبة وردع . وما كانت موضوعة الفساد الإداري وسرقة المال العام ببعيدة عن أجواء الجرائم المرتكبة بحق الإنسان العراقي حيث تهدر كرامته وتوقعه في مسالك الهلاك والتعديات والهدر لحقوقه وكرامته وحرياته الأساسية. ومن باب أولى النظر في مناهج التعليم وما تقدمه من معارف يحث بعضها على التعصب والكراهية وإثارة النعرات والتمييز الطائفي والعرقي والأصل الاجتماعي. وهناك ظروف وعوامل متنوعة تجعل المجتمع العراقي ساحة مفتوحة لتنامي التعديات والخرق الفاضح لحقوق الإنسان.
مثل هذا المشهد المعتم والملتبس يستدعي وجود قيادات ذات خبرة مهنية قادرة على وضع استراتيجيات سياسية اقتصادية تعطي الأولوية لكبح مصادر الجريمة والإساءة، تعتمد في عملها توسيع المجالات الديمقراطية ومنح الحريات وتحرير الطاقات المدنية اعتمادا على مساهمات سياسيين ومشرعين قانونيين وتكنوقراط مهنيين يستطيعون أخذ زمام المبادرة ووضع الحلول العقلانية للخروج من تلك المآزق، بموازاة أعطاء الحرية الكاملة للأعلام المهني وجمعيات المجتمع المدني ومنها الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الإنسان ،في حق المراقبة والرصد والتنبيه وصولا لحق المقاضاة، لغرض كشف التعديات والتجاوزات والمشاركة في صنع والتأثير في القرار العام السياسي الاجتماعي وأيضا الاقتصادي.
أن تلك المشاكل التي يواجهها الفرد العراقي وبالذات منها التعديات والإساءات الموجه بالضد من حقوقه الإنسانية والمخلة بكرامته، تضع على عاتق منظمات المجتمع المدني وبالذات منها المنظمة العراقية للدفاع عن حقوق الإنسان ( أن أنشأت)، وزرا كبيرا يوجب عليها الأخذ بجميع ومختلف حيثياته بحذر ودقة والوقوف بحزم تجاه مختلف أنواع الخروقات. وفي هذا المنحى فأن مجمل الوضع يحتم وجود منظمة للدفاع عن حقوق الإنسان العراقي لها هيكلة حقوقية قانونية جامعة بعيدة جدا عن أي شكل من أشكال العلاقة بالسلطة ، وعلى أن تضع نفسها في مسافة بعيدة جدا عن تأثيرات ومغريات الدولة العراقية، وأية مؤسسة من مؤسساتها الرسمية. على أن تكون في صلب مطالبها الآنية، حسم موضوعة وجود وزارة لحقوق الإنسان من بين وزارات السلطة في العراق، والطلب بإلغائها كونها تمثل الجانب الرسمي للسلطة ولا يمكنها وفي مجمل الأحداث وأغلبها أن تكون مراقبا نزيها وحياديا لأداء المؤسسات والأحزاب والمنظمات المرتبطة بالسلطة. فمنذ تأسيس تلك الوزارة ومنذ تغيير عام 2003 ولحد اليوم أخضعت الوزارة للمحاصصة وأديرت بمنهجية واضحة وسافرة الانحياز للحكومة وبعض الأحزاب الحاكمة، وجعلت واحدة من مهامها تزكية فعل تلك الجهات ومباركة عملياتها. وفي مثل هذا الوضع الشائك، فأن العرف الذي يمنع السلطة من تشكيل منظمتها الخاصة بحقوق الإنسان، تتخذه منهجا لا حياد فيه، مختلف شعوب وحكومات الأرض المتحضرة.

ما طبيعة عمل منظمة أو جمعية عراقية للدفاع عن حقوق الإنسان وما المهام الملقاة على عاتقها في الوقت الراهن ومستقبلا ؟

الجواب يبدو في بادئ الأمر ذا طبيعة ملتبسة، فليس سهلا معرفة مهام الجمعية دون الأخذ بنظر الاعتبار ما يحيط بطبيعة تشكيلها. فهل من المناسب الرجوع بها لذات السمات الأولى التي شكلت على أساسها، على عهد دكتاتورية حزب البعث، منظمات كانت تعمل خارج الوطن ، بعضوية من أعداد تعدت العشرات من الأشخاص، واعتمدت صياغة بيانات الشجب والاستنكار أو عقد لقاءات وحوارات، وفي النهاية توقف عملها بعيد انهيار الدكتاتورية، فهل إن أعادة تشكيلها اليوم يتطلب سلوك أخر أو هيكلة ونمط جديد من العمل.
في ذات سياق السؤال .ما هو مصير جمعيات ومنظمات تعمل في هذا الجانب أنشأت داخل العراق بعد انهيار سلطة حزب البعث ؟. فالظاهر أن عمل تلك الجمعيات والمنظمات مازال لا يتعدى سلوك منظمات مجتمع مدني تمثل طيفا مهنيا أو نخبويا، ولم تسمع الأوساط المهتمة بحقوق الإنسان في العراق أو ترى ما يشير لفاعلية تلك المنظمات بالرغم من ثقل الأحداث وفداحة التعديات اليومية على حقوق الإنسان في العراق.وما فتأت تلك الجمعيات مشاريع تصارع للبقاء باحثة عن من يقدم لها الإسناد والدعم، وليكن من يكن، ولا خلاف لديها حول طبيعة ومصادر الدعم .
أرى الأمر في الحالتين يتطلب نموذجا مختلفا كليا عن السابق ، وهو الأجدر والأكثر تجاوبا مع الأحداث المتسارعة المتشابكة داخل العراق بعيدا عن الخلط والترويج السياسي والاحتكام لمزاجية الأفراد، وابتعاد عن الغايات الذاهبة لتوجيه الاتهامات دون التحقق القانوني من صحة الواقعة. ومن هذا فأن على الجمعية المراد تشكيلها، أن تبني إطارها القانوني والحقوقي قبل أي شيء أخر.
وذات الأمر يستدعي أولا البحث في طبيعة تلك الخروقات والتعديات الناشئة عن طبيعة المرحلة والصراع السياسي والديني والاجتماعي الاقتصادي،وكذلك وهذا هو المهم الرصد اليومي والإشارة والتنبيه إليها ومحاربتها بجميع ومختلف الوسائل القانونية، و هذا الأمر تتوقف عليه الكثير من الاشتراطات التي تحكم العمل وتهيكل طبيعته. فأن كانت هناك جمعية أو منظمة للدفاع عن حقوق الإنسان داخل العراق غير حكومية وترغب في ترسيخ قدمها ووضع مهامها ومنهجيتها بالكامل وبالضد من جميع أشكال التجاوزات والتعديات على حقوق الإنسان فهي تحتاج إلى شخصيات تتمتع بالنزاهة والمصداقية ونكران الذات، ويتوفر لديها قدر كاف من المعلومة القانونية والقدرة على التوثيق والصبر على المتابعة . فالمهام الملقاة على عاتقها تختلف في الكثير من مجالات عملها وهياكلها وأدائها عن طبيعة وهيكلة عمل منظمات الخارج مثلما تختلف عن ما ظهر وتوضح من جهود لمنظمات داخل الوطن. ومن الممكن خلق لجنة أو مكتب تنسيق بين الخارج والداخل لإعطاء المنظمة الشمولية والمصداقية وربطها بهيئات ومؤسسات دولية تستطيع تقديم المساعدة والمشورة القانونية ليكون هذا التنسيق والتناغم مخرجا لنتائج مستقبلية طيبة وكبيرة لصالح الحريات والحقوق المدنية في العراق، ولكن في حقيقة الأمر يبقى ذلك مركونا على قدرة صانعي هذه الهيكلة.

صيغ أجدها مناسبة لعمل جمعية أو منظمة وطنية غير حكومية للدفاع عن حقوق الإنسان في العراق.
1 ـ أنشاء مكتب عام من مجموعة ( داخل ـ خارج ) بعدد مناسب لهم الرغبة في العمل والاستعداد الكامل للمشاركة الفعلية بأداء المهام بعيدا عن التراتيبية والنرجسية والتفرد والوصاية، ويمتازون بنكران الذات والقدرة والكفاءة والنزاهة والالتزام المنهجي الواعي بالعمل والاستعداد لبذل الوقت والجهد لإنجاح أي مهام توكل لهم ويتطلبه المشروع.

2 يشترط بعضو الجمعية أن يكون متابعا جديا وليس هامشيا ويعمل بحرفية ضمن فريق يومي لرصد الحدث أو التنبيه عنه ورفد المكتب بالتقارير الأسبوعية والشهرية.

3 ـ يقوم المكتب العام بإصدار تقارير شهرية ودورية ودراسات ( عربية ومترجمة ) عن حالة حقوق الإنسان ووضع الحريات المدنية وخروقات الدستور وجميع ما يتعلق بحقوق الإنسان في العراق.

4 ـ تكوين شبكة من داخل مكتب الخارج من مهامها بناء علاقات متينة مع الأحزاب والمنظمات والهيئات الدولية لرفدها بما يصدر عن المكتب وكذلك دفعها لتبني مواقف الجمعية ومساندتها في مجال وقوفها بالضد من التجاوزات والتعديات على الحقوق المدنية داخل العراق، وفي هذا المحور يعمل المكتب على خلق لوبي ضاغط من تلك المؤسسات والأحزاب للتأثير في القرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي داخل العراق إن أحتاج الأمر لذلك.

5 ـ تكوين شبكة للتواصل مع منظمات المجتمع المدني العراقية ذات الطبيعة والأهداف التي تقترب أو لها اهتمام بإنجاح العملية الديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة وبناء الدولة المدنية والحفاظ على حريات الناس وكرامتهم وحقوقهم الدينية والمدنية ومساواة المرأة بالرجل ولأجل حياة سوية ومرفه للطفل وبناء بيئة صحية في جميع مناح الحياة.

6 ـ أيجاد أفراد أو جماعات ومنظمات أو أي صيغة مناسبة تعتمدها الجمعية للحصول على تقارير ورسائل واتصالات بريدية أو هاتفية لنقل وتداول وتوثيق الأخبار عن وضع وحالة حقوق الإنسان العراقي، مع وضع شروط دقيقة وملزمة على تلك الجهات، لغرض أن تكون التقارير الواردة منها ، موثقة ومدققة وقانونية وحيادية وبعيدة كليا عن التطرف والتخندق والتسييس والوشايات .
7 ـ وضع إطار قانوني للاجتماعات الدورية للمكتب بعموم شخصياته. وأن تكون هناك شفافية وقواعد عمل والتزامات مهنية يقيم من خلالها عمل أعضاء المكتب وعموم حركة الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الإنسان خلال الفترة بين مؤتمرين.
ربما فاتني الكثير من ما لم أستطع أن أضعه في صلب مهام الجمعية التي أتطلع أن تكون. ولكني أؤكد بأن إنشاءها بتلك الهيكلة بات ضرورة وحاجة ملحة لحقوق الإنسان العراقي.وبناء صرح هذه الجمعية لهو غاية كبيرة وسامية وضرورة ملحة لأجل بناء وطن معافى ، ولذا أقول أن من يتطوع للعمل في مثل هذه المنظمة، يجب وبالضرورة أن يكون وقبل أي شيء أخر ذا قدرة على استيعاب المهمة وتلبية شروطها وقانونيتها، وأن يبعد هذا التشكيل عن الهوى السياسي وطباع العمل التسلطي والشخصنة .