الفساد مرض اجتماعي خطير، هل يمكن علاجه، ومن يعالجه؟2،1/ د. يوسف شيت
المنبرالحر

الفساد مرض اجتماعي خطير، هل يمكن علاجه، ومن يعالجه؟2،1/ د. يوسف شيت

الفساد، مهما كان إداريا أو ماليا أو سياسيا، هو مرض اجتماعي خطير، ومن جملة ما يعنيه: سرقة الأموال والممتلكات العامة والخاصّة، استغلال المناصب في الدولة للحصول على امتيازات شخصية أو حزبية، إعطاء مسؤوليات في دوائر الدولة على أساس صلة القرابة والعشيرة أو بقرار حزبي أو الانتماء الطائفي والقومي ومنح هذه المسؤوليات، في أغلب الأحيان، لأشخاص ليسوا أهلا لها بسبب فقدان الخبرة أو التأهيل العلمي. لذا، القائم بالفساد ومن يتستّر عليه هو شخص مجرّد من الضمير وغير نزيه يفتقر إلى أي شعور إنساني، وكما يقال عنه بأنّه عديم الخجل والأخلاق بغض النظر عن موقعه الاجتماعي. هذا ما يعاني منه العراق، خاصة بعد الاحتلال الأميركي سنة 2003 إلى جانب توأمه الإرهاب بكل أشكاله. تفشى فساد اليوم بشكل غير مسبوق أكثر مما شاهدته الأنظمة السابقة وأصبح آفة اجتماعية خطرة هددت وتهدد أمن البلاد وسلامة المواطنين، أي أنّه السبب الرئيسي في انتشار البطالة والاستغلال الاقتصادي للأطفال والأمراض والفقر والجهل وتقليص الخدمات إلى حدّ كبير بسبب انحسار الأموال لتحسين المؤسسات الصحية والتعليمية والثقافية والخدمات الأخرى كالماء والكهرباء والسكن والتي لا يتجاوز المصروف عليها 20% مما هو مقرر، أمّا آل 80% فهي حصة الفاسدين، (أنظر المواد الدستورية: 29- أولا-ب وثالثا/ 30-أولا/31/ 32/ 34-أولا). ما أوردناه هو البيئة الفاسدة التي أوجدها نظام المحاصصة لتعيشها الأغلبية الساحقة من المواطنين العراقيين، أما النازحون البالغ عددهم الرسمي 5 ملايين داخل العراق فقط أو 14% من سكّان العراق فإنّ أوضاعهم أسوأ بكثير وتقشعرّ لها الأبدان عندما نسمع ونرى ونقرأ ونكتب عن مأساتهم، والذين عادوا إلى ديارهم الذي لا يتجاوز عددهم المليونين ليسوا أوفر حظا من الذين لا يزالون في مخيمات النزوح، ومثال ذلك العائدين من سكان مدينة الموصل- ثان أكبر مدن العراق. لم يجد العراقيون، خاصة النازحون منهم، أية خطط لإعادة إعمار ما خرّبه داعش، سوى التخبّط في تصريحات المسؤولين وجعل قضية النازحين صراع سياسي لتبادل التهم بين المتنفّذين وسرقة ما يمكن من مخصصاتهم ومحاولة التغيير الديموغرافي لمناطق سكناهم الأصلية. وما ذكرناه هو أحد أبواب السرقة والتي تعددت وزادت، مثل* الرواتب والمخصصات الخيالية التي يتسلّمها الوزراء والنوّاب وأعضاء مجالس المحافظات وإقليم كردستان والمراتب الخاصّة وشاغلي المناصب بالوكالة التي انتشرت مثل النار في الهشيم، وحسب رئاسة مجلس الوزراء يبلغ عدد الوكلاء حاليا 30000 (ثلاثون ألفا)، ومنها كثرة نوّاب ومستشاري رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النوّاب ورئيس مجلس الوزراء، هذا بالإضافة إلى الراتب التقاعدي الخيالي الذي يتقاضاه الآلاف قبلهم من الذين لم يخدموا سوى أربع سنوات، أضف إلى ذلك الامتيازات التي يحصلون عليها كمخصصات إضافية وإيفادهم داخل وخارج العراق وعلاجهم وإجراء عمليات تجميل ومخصصات حماية من أشخاص وسيارات* إدخال أسماء وهمية في قوائم رواتب العسكريين والمدنيين والتي يسمّيها العراقيون ب(الفضائيين) ونزولها في جيوب الأحزاب الحاكمة وبعض رؤساء العشائر* بيع وشراء الوزارات بملايين الدولارات، مثلا أحد المتقدمين لشراء وزارة الكهرباء قال بالحرف الواحد: "هاي الوزارة خبزتنا وما نتنازل عنها" والمزاد المشهور لبيع وزارة الدفاع* استقالة نائب في البرلمان والتفاهم مع شخص آخر له سوابق فساد من نفس الكتلة ليحلّ محلّه "بعد صفقة سرية طبعا" للحصول على حصانة ليفلت من المحاسبة* سرقة النفط وبيعه بأسعار زهيدة في السوق العالمية، وكانت آبار نفط البصرة أكثر تعرضا للسرقة لسهولة تصديرها من منافذ البصرة المائية بسبب تواطؤ أصحاب النفوذ من أحزاب وعشائر وحماية الميليشيات. في الوقت الذي كان على العراق تصدير أكثر من 4 ملايين برميل يوميا بعد عام 2003 فإنّه لم يعلن، حتى سقوط ثلث الأراضي العراقية بيد داعش سوى عن تصدير 1,5- 3,0 مليون برميل فقط. فإذا كانت سرقة النفط تقدّر بمليون برميل في اليوم، على أقلّ تقدير، والسعر المتوسّط هو 60$ للبرميل فإنّ الأموال المسروقة من النفط فقط خلال عشر سنوات تقدّر ب 220 مليار دولار أميركي* وفي فترة احتلاله قام داعش بالتعامل مع المهربين المدعومين خاصة من متنفذين في أحزاب عراقية ودول إقليمية لتهريب النفط إلى الموانئ التركية* الاستحواذ على جزء كبير من الإعانات الاجتماعية والبطاقة التموينية من قبل الموظفين الكبار المرتبطين بأحزاب السلطة* سرقة الموارد المتأتية من الكمارك والإعفاء الكمركي غير القانوني مقابل رشوة أو إدخال بضاعة ممنوعة بأوراق رسمية على الحدود العراقية (أنظر المادة 110-ثالثا من الدستور)* الاستحواذ على عقارات وأملاك الدولة من قبل رؤساء الكتل والأحزاب الحاكمة عن طريق شراءها بأسعار بخسة جدا أو بأسعار رمزية أو إهداءها من قبل متنفّذ "كبير الحجم" إلى آخر لا يقلّ عنه "حجما" (أنظر المادة 27-أولا وثانيا من الدستور)، وكذلك التوزيع الوهمي للأراضي من قبل شخص يمثّل متنفّذا كبيرا في الدولة (عادة قبل الانتخابات بأسابيع معدودة) أو بيع أراضي وهمية للناس من قبل شركات وهمية* التخريب المتعمّد للصناعة الوطنية وفي مقدّمتها إهمال مصانع تكرير النفط والإحجام عن توسيعها لعقد صفقات شراء المشتقّات النفطية من دول الجوار ومنها الكويت وإيران، عدم الاهتمام باستخراج كبريت حقل المشراق وفوسفات حقل عكّاشات حتى احتلّها داعش ودمّر معداتها، وبشكل عام إهمال استثمار الثروة المعدنية* إهمال الزراعة بسبب عدم الاهتمام بالفلاحين وتلبية حاجاتهم للنهوض بالزراعة العراقية (أنظر المادة 25 من الدستور)، وهذا ما أعطى فرصا كبيرة لنمو الفئات الطفيلية* غسيل الأموال وتهريب العملة إلى الخارج* فتح مكاتب تزوير الوثائق، مثل الشهادات على مختلف مستوياتها (ثانوية، جامعية، ماجستير، دكتوراه)، جوازات السفر، وثيقة تمنح صاحبها لقب السيّد، والكثير غيرها.
مما تقدّم هو غيض من فيض، لأنّ تفصيل كل باب من أبواب الفساد بحاجة إلى طرح ملفاته، أي نحن بحاجة إلى طرح آلاف الملفّات التي يعتقد الفاسدون بأنّهم يستطيعون حجبها عن الشعب ولكن الشعب خذلهم وأطلق حراكه في شباط 2011 وتجدد في تمّوز 2015 ولا زال مستمرا ورفع شعاراته الداعية إلى مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين المحتمين بالدين والقومية والعشيرة وجابههم بشعاره المعروف "باسم الدين باكونا الحرامية"، مع العلم بأن المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف ساندت الحراك وفضحت وأنذرت الفاسدين بما يسببونه من مخاطر على الوطن.
إنّ أسباب الفساد كثيرة ونشير إلى أهمّها: 1- عدم رغبة الحكومات المتوالية على سدّة الحكم بعد 2003 للتخلّص من الآثار السيئة للنظام السابق ومنها الفساد بكلّ أشكاله. 2- سرقة أموال وممتلكات الدولة، المسماة ب"الحواسم" خاصة البنوك وآثار حضارة وادي الرافدين من المتحف العراقي في بغداد وتهريبها إلى الخارج للاتّجار بها واستثمار الأموال، وحدث هذا تحت أنظار وتشجيع من قبل المحتل الأمريكي. 3- القبول بالرواتب العالية (الخيالية) في زمن الحاكم الأمريكي بريمر لأعضاء مجلس الحكم والموظفين الآخرين، بل ومضاعفتها وزيادة دائرة مستلميها من بعده ولحدّ الآن. 4- الغياب المتعمّد للتخطيط على المدى القريب أو البعيد، (أنظر المادة 80- أولا ورابعا والمادة 114-رابعا من الدستور)، مما جعل التخبّط في المجال الاقتصادي مدخلا مريحا للفاسدين لسرقة الأموال والمثال على ذلك والأخطر هو فشل الحكومات ومجلس النوّاب في إقرار ميزانيات الدولة لتتناسب مع واردات العراق وأبواب صرفها. لمّا كان العراق دولة ريعية يعتمد بالأساس على واردات النفط التي تشكّل أكثر من 90% وسعر البرميل في حالة صعود وهبوط فإنّ حكومة العبادي اقترحت ميزانية عام2018 على أساس سعر برميل النفط 45$ أي 66 مليار$ في السنة، أما السعر الحالي هو 60$ للبرميل أي بزيادة أكثر من 20 مليار$ في السنة. ولو فرضنا بأنّ الحكومة الحالية ستتعامل بشفافية وستطرح كيفية تعاملها مع هذه المبالغ أمام الناس، في هذه الحالة نصطدم بالسؤال التالي: أين المبالغ المتأتية من فرق السعر الذي طرحته الحكومات السابقة والذي لم يتجاوز سعر البرميل المقترح من قبلها لتقديم الموازنة 90$، بينما تجاوز السعر الحقيقي للبرميل في السوق العالمية 120$؟ كما أنّ ميزانية عام 2014 لم تقرّ في البرلمان، وبكل بساطة حجبت الحكومات، خاصة حكومة المالكي لدورتين (2006- 2014) عن تقديم الحسابات الختامية وخالفت بذلك المواد الدستورية 61-ثانيا: "الرقابة على أداء السلطة التنفيذية"، أي رفض الحكومة لرقابتها من قبل مجلس النواب، والمادة 62-أولا: "يقدّم مجلس الوزراء قانون الموازنة العامة والحساب الختامي إلى مجلس النوّاب لإقراره"، فالشفافية هنا معدومة. 5- إبعاد العناصر الوطنية الكفوءة عن مختلف وظائف الدولة والاعتماد على عناصر النظام السابق التي أخذت تعمل بتعمّد على تخريب كافة المرافق الاقتصادية والسياسية والأمنية والثقافية والفكرية للمجتمع، أو الإتيان بعناصر عديمة الخبرة، والكثير منها عيّن في الوظيفة بشهادة مزورّة، عن طريق المحسوبية و المنسوبية الطائفية والقومية والعشائرية لتسهيل تنفيذ الأوامر من الأعلى. 6- تشكيل فصائل مسلّحة خارج إطار القانون (الميليشيات بكلّ أشكالها وطوائفها) لحماية أشخاص أو أحزاب متنفّذة تصرف لها مبالغ من سرقات أموال الدولة أومن دول أخرى، وأدّى ذلك إلى توسيع الجريمة المنظمة لترويع المواطنين وابتزاز أموالهم، أنظر المادة 9- أولا- ب من الدستور.
2
من يحمي الفساد والفاسدين؟ كلّ مرض له بيئته التي ينشأ وينمو فيها وأسباب نشوء هذه البيئة. في العراق عمد الأمريكان إلى امتصاص نقمة الشعب على النظام البعثي المقبور عن طريق تقديم قائمة المطلوبين من قادة النظام وفي مقدّمتهم صدّام واحتفظوا بالبقية للمساومة مثل عزة الدوري ومحمد الصحّاف وآخرين ومنعت أية محاولة لإزالة آثاره الكارثية، ومنها الفساد والخلافات الطائفية والقومية. ورأى الأمريكان بأنّ أفضل الطرق لتثبيت مواقعهم في العراق هو تسعير هذه الخلافات، خاصة بين السنّة والشيعة والأكراد وتهميش الآخرين من الطوائف والقوميات، لذلك عمدوا إلى تبني مشروع النظام الطائفي- الإثني الذي وضعت مقدّماته خلال اجتماع لندن في كانون أول 2002 والبدء بتنفيذه بعد الاحتلال في 2003 بتشكيل مجلس الحكم على أساس طائفي وقومي من قبل بول بريمر، ولم يكن لهذا المجلس دورفعاّل في إدارة شؤون البلد سوى استلام الرواتب الخيالية وتوظيف المقربين من العشيرة والطائفة والقومية. بعد انتخاب الجمعية الوطنية العراقية في كانون الثاني 2005 وانتخابها للحكومة الانتقالية برئاسة إبراهيم الجعفري أصبح الفرز الطائفي والقومي أكثر وضوحا، حيث احتلّت الأحزاب والمنظمات الشيعية أكثرية المناصب الوزارية لأنّهم الأكثرية في الجمعية الوطنية وبدعم من المرجعية الدينية في النجف وإيران ثمّ الأحزاب الكردية التي تحظى بمساندة أمريكا وأوروبا والتي حصلت على ربع المقاعد، وكانت فترة الجعفري أكثر وضوحا في تشكيل الميليشيات الخارجة عن القانون. أمّا أغلبية الأحزاب السنية المدعومة من السعودية وتركيا قاطعت الانتخابات إلاّ أنّ بعضها تراجعت بعد التفاهم مع الأمريكان واشتركت في انتخابات 2006 لتحصل على حصّتها من الكعكة العراقية والانضواء تحت خيمة النظام الجديد "نظام المحاصصة الطائفية والإثنية".وبعض الأحزاب السنية المشاركة في العملية السياسية وغير المشاركة قامت بدعم المنظمات الإرهابية في المناطق التي تسكنها الأكثرية السنية إلى جانب قيام هذه المنظمات بأعمال إرهابية في بغداد ومحافظات الجنوب. وأخذ الإرهاب منحى آخر أشدّ فتكا بالناس وهو "الذبح على الهوية"، خاصة أعوام 2005- 2007. هكذا انتشر الإرهاب ليكون وجها آخر للفساد بتمويل من الأحزاب الطائفية التي تسرق أموال الشعب، وأصبح نظام المحاصصة الغطاء الأقوى لحماية الفساد والفاسدين.
أخذ الفساد في العراق مديات واسعة، بحيث لم تفلت أية مؤسسة كبيرة كانت أو صغيرة من هذا المرض الذي إحدى مظاهره هي الرشوة، لذا فإنّ العراق يتصدّر دائما جدول ترتيب الدول الأكثر فسادا في العالم الذي وضعته منظمة الشفافية الدولية على أساس 20 حالة تحدد مستوى الفساد في كلّ دولة (1). وهذه الحالات جميعها تنطبق على العراق وأهمّها بإيجاز: الإطار المؤسسي للدولة، إمكانية الشعب في مساءلة المسؤولين حول استخدام الأموال العامة، كفاءة الدولة في القيام بواجباتها وموقف المسؤولين فيها من الفساد، مستوى الفساد في الجهاز الحكومي ومبادرة الحكومة في مكافحته ومدى قدرتها على تنفيذ أحكام الجزاء لحصر الفساد، فساد الجهاد الرقابية والبيروقراطية المفرطة فيها وفي بقية أجهزة الدولة، نزاهة الانتخابات، خضوع الحكومة لمجلس النوّاب، نزاهة واستقلال القضاء، مدى الفساد الذي تمارسه الحكومة كما يعتقده الجمهور ووسائل الإعلام. بما أنّ الإطار المؤسسي للدولة هو نظام محاصصة دينية ومذهبية وطائفية وقومية ومستمر بالأساس عن طرق تزوير الانتخابات، لذا فإنّ الدولة عاجزة عن وضع حدّ للفساد لآنّ القائمين على إدارتها في مختلف مؤسساتها، بما فيها أجهزة الرقابة، هم من الفاسدين أو حماة الفاسدين أو الخائفين من الفاسدين. لذلك فإنّ أجهزة الدولة تفتق إلى الشفافية في عملها لتحجب الكثير من حالات الفساد، خاصة الكبيرة منها، بل ويقوم البعض من المسؤولين بتهديد العاملين في الإعلام بالقتل في حالة نشر فسادهم.
السؤال الأكثر رواجا بين الجمهور العراقي هو: هل يمكن القضاء على الفساد؟؟؟ ومن بين الجمهور من يجيب، بأنّ القضاء على الفساد غير ممكن بعد أن ضرب أطنابه في عمق مؤسسات الدولة، وآخرين من يجيب ببساطة بنعم، ويمكن ذلك عن طريق القبض على الفاسدين وتقديمهم إلى القضاء ويكونوا قدوة للآخرين!!! صحيح، بأنّ الفاسد يجب أن يقدّم للقضاء وفق الأعراف السماوية والدنيوية وفي كلّ العالم. ولكن، نرى بأنّ الجواب الأوّل أقرب إلى الحقيقة، أي ليس الحقيقة كلّها. فما هي معوّقات القضاء عليه؟
بعد أن أزكم الفساد أنوف العراقيين ولم يستطع أحد من إسكات الناس عن الفساد، في الوقت الذي تسيل دماء الأبرياء على يد الإرهاب، أعلن المالكي وهو في فترة رئاسته الأولى بأنّ عام 2008 هو عام القضاء على الفساد، ولكن عمليا لم يفعل شيء سوى أنّ الفساد والإرهاب تصاعدا بوتيرة أكبر، وهو من المتنفّذين والداعمين لنظام المحاصصة- القبّة الأمينة للفاسدين، مما حدا بالقوى الوطنية من أحزاب ومنظمات وشخصيات إلى الحراك والتظاهر في 25 شباط 2011 ضدّ الفساد والمطالبة بإصلاح العملية السياسية وإنهاء نظام المحاصصة باعتباره المعوق الأساسي لأي إصلاح. خلال هذا الحراك وتحت ضغطه أعلن المالكي بأنّه لن يترشح لولاية ثانية كرئيس مجلس الوزراء، وظهر لاحقا بأنّ كلّ ما ادّعاه لم يكن حقيقة، فرشّح لولاية ثانية وفاز وأصرّ للترشيح لولاية ثالثة، ولكن، لم يجد من يقف معه سوى بعض المقربين منه في الداخل والخارج وفشل في الحصول عليها بعد أن أهدى لخلفه الدكتور العبادي حزمة من المشاكل في مقدّمتها احتلال داعش لثلث أراضي الوطن ووصول الفساد إلى مديات بعيدة لا يمكن تصوّرها بفقدان مئات المليارات من الدولارات وإخفاء ميزانية عام 2014 وعجز مجلس النوّاب عن مصادقتها.
تحت ضغط الحراك الجماهيري في تمّوز 2015 وبإسناد المرجعية الدينية العليا سارع رئيس مجلس الوزراء السيد العبادي إلى طرح مشروع الإصلاح الذي أقرّه مجلس النوّاب في 9 آب 2015، إي بعد سنة من استلام العبادي منصبه الجديد وسكوته عن إي بادرة للإصلاح من قبله أو من قبل مجلس النواب، ثمّ تلاه مشروح إصلاحي آخر من قبل مجلس النوّاب وألقيت كلمات حماسية من قبل "رعاة الإصلاح" بضرورة تلبية مطالب الناس. لم يتلمّس الناس أي تحسن في أوضاعهم المعيشية والخدمات الواجب تقديمها من قبل الحكومة، وخاصة مكافحة الفساد التي ثبّتت بمشاريع إصلاحهم بسبب عدم توقّف الفاسدين من سرقة الأموال وعدم وجود رادع لهم، ولم يسمع المواطن العراقي غير الويل والثبور للفاسدين الذي يطلقه الفاسدون أنفسهم ابتداء من قمّة السلطة حتى قاعدتها وبشكل متعمّد لخلط الأوراق على الناس. لم يسكت السيّد العبادي عن مهمّته بمكافحة الفساد بعد أن استطاعت القوّات المسلحة بكافة تشكيلاتها دحر داعش، وينوّه دائما بأنّ الفساد لا يقلّ خطورة، بل وأخطر من داعش. إلاّ أننا لم نر لحدّ الآن، خطوات جدية حازمة في مكافحة الفساد، خاصة رؤوس الفساد، بل نرى الكثير من التناقضات بين ما يعلنه العبادي وبين ما يدلي به مقرّبوه. تارة يدّعي البعض من النوّاب أو من مكتب رئاسة الوزراء بوجود قوائم جاهزة بأسماء الفاسدين وستبدأ مقاضاة الفاسدين في بداية سنة 2018 ، وهنا ينتفض البعض ( لا ندري هل هم من الفاسدين أو من غير الفاسدين) ليحمد الله لأنّ اسمه غير وارد في قائمة الفساد! ثمّ يظهر العبادي لينفي وجود قوائم جاهزة. يدّعي البعض بأنّ الكثير من الفاسدين يحمل أكثر من جنسية، وهنا تصعب محاسبته لأنّه يحتمي بجنسية البلد الآخر (بلدان أوروبية، أمريكا، كندا، أستراليا ودول الجوار ومنها الخليجية)! كيف يمكن إعطاء مهمات تشريعية أو تنفيذية يتوقّف عليها مصير البلد لشخص لا يمكن محاسبته على تهم خطرة مثل الفساد بحجة أنّه محمي من دولة أخرى؟ ثمّ أنّ الدولة الأخرى تحاسبه على مخالفته لقوانينها فقط لا مخالفته للقوانين العراقية إلاّ إذا كان مطلوبا من قبل المتروبول، كما أنّ رؤوس أموال المتهم بالفساد وعقاراته في هذه الدول ترعاها قوانينها، أي أصبحت تحت حمايتها لأنّه أحد مواطنيها وارتبطت مشاريعه برؤوس أموال تلك الدولة الرأسمالية. ماذا يمكن أن يقال عن هؤلاء اللصوص، غير أنهم باعوا وطنهم العراق من أجل أن يتمتعوا وأفراد عائلاتهم بكل ما يخطر ببالهم من رفاهية، وهم يعدّون الآن بالآلف، بينما الملايين من العائلات في العراق بالكاد تجد لقمة عيشها أو مسكن يليق بها. لقد تحدّث السيد العبادي بأنّه سيضرب الفاسدين بيد من حديد، بينما نرى إطلاق سراح الكثير منهم بحجة شمولهم بقانون العفو! هل يعلم العبادي بهذه المسخرة؟ تدخلات الدول الإقليمية وغيرها في الشؤون الداخلية للعراق كثيرة ومتنوعة لحماية مصالحها عن طريق منظمات وأحزاب وشخصيات عراقية متنفّذة، لذلك فهي ملزمة بحماية هذه الشخصيات من أية ملاحقة بتهم الفساد أو الإرهاب.
كيف يمكن القضاء على الفساد في ظل هذه التشابكات التي أصبحت كخيوط العنكبوت تزيد من خناقها على المجتمع اقتصاديا وسياسيا وأمنيا وثقافيا وفكريا؟ على الأقل في الفترة القريبة لا يستطيع أحد اتخّاذ أية خطوات باتجاه مكافحة الفساد بسبب الانشغال في الانتخابات البرلمانية، وما نقوله واضح من خلال الائتلافات الانتخابية الحالية. لقد ظهرت للعيان نفس الشخصيات المشتبه بها بالفساد أو علاقتها بالإرهاب على رأس أو ضمن بعض الائتلافات التي غيّرت وتغيّر أسماءها إلى "وطنية ومدنية وعابرة للطائفية" وغيرها من المصطلحات التي تعتقد بأنّها تغري الناخب. وأكثر الائتلافات المعرضة للتغيير هو ائتلاف العبادي الذي انسحبت منه كتلتان لحدّ الآن بسبب اتهامهما انضمام كتل أخرى تدور حولها شبهات الفساد. الهيئة " المستقلة" للانتخابات وقانون الانتخابات فصّلا على مقاس هذه الائتلافات، أي الحديث عن مكافحة الفساد وضرب الفاسدين بيد من حديد والذي أطلقه السيد العبادي هو دعاية انتخابية. هنا نستنتج بأنّ نظام المحاصصة سيستمرّ ما لم يقلب الناخب العراقي الطاولة على رأس هؤلاء ومجيء قوى معروفة بنضالها من أجل عراق ديمقراطي مدني قوي يسترجع مكانة العراق وهيبته الدولية بعد خمسة عقود ونصف من الانتكاسات المتتالية.
(1)- موسى فرج، " الفساد في العراق، خراب القدوة وفوضى الحكم" ص52 و 53