فضاءات

حسن نمر "أبو فلاح "هو الآخر يغادرنا نحن الأنصار / ناظم ختاري

المحطة الأخيرة للنصير الشيوعي الفقيد حسن نمر ( أبو فلاح ) و رحيله الأبدي قبل أيام قليلة .. ليست اول محطة عنه سمعت خبرها .. فقد كانت بدايات معرفتي الشخصية به في محطات مبكرة ، كان فيها شابا متحمسا ومندفعا ورمزا بارزا من رموز منظمة الحزب في قريته "سريشكه "إلى جانب رفاقه زياد رشمان وخدر شيبو وخلف عساف وغيرهما من المناضلين من أبناء تلك القرية .
في طوافات سريجكة وأنا في بداية علاقاتي مع شبيبة الحزب خارج قريتنا كنت أزور أبو فلاح وعادة كان مجلسه مليئا بالشيوعيين الشباب ، كانت أصواتهم تتعالى وهي تخوض نقاشات عن أشياء تعلموها في اجتماعتهم الحزبية على يد مثقفين بسطاء ، عن الصراع الطبقي وعن الاشتراكية وعن مستقبل بلدنا وغيرها من الأفكار التي كانوا يستنبطونها من الكتب المتوفرة أنذاك في ريف مهمل سوى من أهتمام الشيوعيين بأيصال الثقافة والفكر التقدمي إليها وتعزيز ثقة أبنائه بمستقبل زاهر " لم يتحقق للأسف الشديد" .
أقداح الخمر والتي تحيطها المقبلات من كل جهة كانت واجبة في هذه الجلسات وفي مثل هكذا مناسبات، وكان أبو فلاح يتميز بتنويعها وابتكار طقوس خاصة بها ، ولم يكن يتخلف عن الحضور في طوافاتنا في ختارة ودوغات فكانت جلسات الخمر تكتمل ، حيث يلتقى الشيوعيون والحان سالم حزبنا ونشيد رف ياحمام تتطاير واصلة إلى السماء من فوهة "زرنا" مزمار الفنان الموهوب المرحوم "سليم " من عائلة حسن رشمان في جلسات خاصة أو عامة .. من فوق سطوح المنازل أو باحاتها أو من ساحات قرانا المخصصة لمثل هكذا مناسبات .
نرقص فرحا ، على أنغام (من توو نه فيى) لتحسين طه من عمادية قلعة "آمادين " و(بووكى ده لالى) لمحمد طيب .. نرقص تحديا على أنغام سنمضي .. سنمضي إلى ما نريد .. وطن حر وشعب سعيد .
بين وقت وآخر ندخل صراعا مع كل من يحاول قطع الطريق على ممارستنا لحريتنا الفكرية والتنظيمية .. رفضنا التلويح بشبيه لثوري أو ثوار أمريكا اللاتينية ، رفضنا التوقيع على تعهد معد لعودة الشيوعيين إلى "الصف الو طني " ، مما كان ثمن ذلك ، الجبال الوعرة وبندقية كلاشين وجريدة طريق الشعب وملفوفات صغيرة تحمل التحد والتواصل وعودة التنظيم ولقب نصبر .. ( مسلحين صرنا نمشي بدرابين قرانا .. وندخل بيوت االرفاق ونوصل لهم خبر الغائبين ) .. ألف ليلة وليلة كانت مخادعنا صخرة نتكأ عليها وأخرى نتقي بها برودة الريح الشتوية في كهوف ومغارات محفورة في بطون الجبال وقممها دون نيران ولا مواقد .. ووجباتنا كانت خبزا وجبنا من البيوت الفقيرة من قرى أنفلتها سلطات الدكتاتور حرقا ونهبا وقتلا عاما .
ألتقيته في تلك الجبال التي أرهقته في باديء الأمر وثم جعلته على مر الأيام خفيفا يتسلقها كأهل قراها ، كلفنا الحزب لأكثر من مرة للعمل معا في قرانا لإعادة التنظيم وقيادته والتي كنا نتسلل إليها في الليالي وبين خيوط ظلامها الدامس ، نختبيء في بيوتها تارة ونلتقي المقطوعين تنظيميا، وفي المخابئ التي خارجها تارة أخرى ، نحمل خبزا وماءا معنا ، نحكي قصصا عن الحب والحياة والمستقبل .
رغم مرارة فقداننا للنصير الشيوعي العزيز ملازم سلام : من بعشيقة " الذي كان برفقة ابو فلاح في مهمة إلى قرية بيبان عندما تعرضا لكمين نصبته مفرزة المجرم سفر ، كنا نمزح معه عند تماثله للشفاء بعدما أصابته احدى الإطلاقات في منطقة حرجة من جسمه .
في بداية عمليات أنفال بادينان التي أطلقتها قوات النظام البائد في أيلون 1988 أتفقنا في اللجنة القيادية لقضاء تلكيف التي تشكلت جديدا على إرسال عدد من الرفاق إلى الداخل "ريف سهل نينوى " كان ضمنهم أبو فلاح أتفقت معه على تفاصيل كيفية التواصل بعد العاصفة ، بما فيها كلمة السر واماكن الآختباء المحتملة ، لو جرت الأمور بعكس ما حصل أنذاك ... لكن شاءت الظروف المعقدة وشراسة حملة النظام إلى تأجيل أي لقاء بيننا إلى ما بعد انتفاضة آذار.. حينها وجدته يعيش ظروفا معقدة و لكنها تفيض حنانا إلى أيام الجبل ..
عاش أبو فلاح رغم ظروفه الصحية الصعبة قريبا من الحزب ، فبعد سقوط النظام ، انخرط أولاده الشباب يتقدمون الصفوف لمواصلة دربه المضيء حيث كان يعيقه مرض لعين تغلب على أصراره أخيرا ، فغادر أسرتنا الأنصارية قبل الآوان .
مجدا أيها الرفيق النصير والصديق الجميل .. وداعا أيها العزيز أبو فلاح .