اعمدة طريق الشعب

تّفّاح حَلبجّة !/ يوسف أبو الفوز

في بيت صديقي الصَدوق أَبُو سُكينة، كنت اتحدث عن تفاصيل أمسية تأبينية بمناسبة ذكرى جريمة حلبجة الشهيدة، حضرتُها وبينت في مساهمتي وفي كلمة قصيرة التأكيد بأن جريمة حلبجة، وأذ ستبقى وصمة عار في جبين مرتكبيها، فأن الغضب وليس الحزن يجب ان يتلبسنا في ذكراها. الغضب الذي يجفف الدموع ويثير الاسئلة. الاسئلة التي تبدأ بلماذا حدثت الجريمة؟ ومن المسؤول الاساس عن ذلك؟ وهل هناك امكانية لتكرارها؟ وذكرت ان فكر البعث الصدامي الشوفيني وسعيه لاقصاء الاخر بأي وسيلة،هو السبب خلف الجريمة، وان من اصدر الامر بالقاء القنابل الكيماوية، بعطر التفاح، على المدينة الوادعة ليغتال الحياة فيها، كان يريد اقصاء الآخر من المشهد والحياة لانه يريد الساحة لنفسه وحده. وهذا الفكر الاقصائي الذي لبس في زمن الديكتاتور صدام حسين بدلة زيتوني يمكنه ان يلبس أي زي اخر، حين تتوفر له الظروف المناسبة والدوافع.
وبدا جَلِيل غاضبا، وهو يعلق بأن هناك من تاجر بمأساة حلبجة وترك الضحايا من دون انصاف بشكل حقيقي. حاولت التخفيف من غضبه، وانا ادور في اجواء افكار الكلمة التي قدمتها، فقلت: ان انصاف الشهداء والضحايا دائما يتجسد في محاربة الفكر الذي يقف خلف اسباب المأساة!
سألتني سُكينة: حسب كلامك، هل تعتقد بأمكانية تكرار مأساة حلبجة مرة اخرى؟
من مكانه اجاب جَلِيل بذات النبرة موجها كلامه للجميع: طبعا، وماذا تظنون بمأساة الموصل وما حصل؟ اليست هي حلبجة ثانية؟ انظروا عدد الشهداء والضحايا والنازحين في هذه المأساة؟ أنظروا أسباب حدوث المأساة وكيف ان عصابات داعش الارهابية أحتلت بسهولة واحدة من اكبر مدن الوطن؟ الا توافقوني على أن الاحتراب الطائفي والصراع على المغانم ومحاولة أقصاء الآخر، كانا من الاسباب الاساسية لهذه المأساة ؟ ولذا انا اشعر بالغضب حين اجد هناك من يستثمر مأساة شعبي ويتاجر بها لاغراض سياسية.
سعل أَبُو سُكينة فالتفتنا اليه جميعا فقال: ذكرت لي أم سُكينة، انها قابلت امراة من الناجين، وكانت طفلة في يوم جريمة حلبجة. هذه المراة، حرمّت على نفسهاوطول عمرها، ان تأكل التفاح، لأن السلاح الكيماوي الذي استخدمته طائرات المجرم صدام وقتل الآلاف من الناس الابرياء كانت له رائحة التفاح. يا بوياااااااا يا سُكينة، هاي احنا شلون راح نموت من الجوع!
نظرنا اليه باستغراب، فواصل وبشكل جاد تماما: بعد الان مو بس تفاح ما راح ناكل، يجوز راح نتعقّد وما نقدر نشتهي ناكل كل شيء، لان عدنا بعض الجماعات تريد تقصي الآخر بأي وسيلة، حتى هي تبقى تحوش الاكو والماكو، يعني عندها استعداد تضرب كيماوي بكل الروائح... بروائح البطيخ، روائح الباذنجان وحتى بروائح البصل !