ادب وفن

مسح ضوئي / عطلة رسمية للغرف المكيّفة / مقداد مسعود

ليست البصرة ثالث مدينة في النظافة،ولا ثالث مدينة تخلصت من أزمات: السكن - الأمان - الأبنية المدرسية، ولاثالث مدينة في المسارح والأنشطة الثقافية وصالات السينما ولاثالث مدينة في دور النشر ولاثالث مدينة سياحية.. بالمختصر المفيد :البصرة صيفها عشرة أشهر ونصف الشهر، وكل شهورها تموز، في هذه الأيام المعدنية البصرة تتصبب عافيتها عرقا تحت شمس تموز الغاضبة المزمجرة، والكهرباء لاتتحمل شمس تموز فتموع الكهرباء (موعات الدهن)..لكن البصرة كريمة المحتد، تضع عينها في عين الشمس وتستبق معها منذ الرابعة فجرا، عمال النظافة يبذلون جهدا جبارا مع الشوارع والازقة، باعة الفاكهة يتصببون عرقا وهو يدفعون عرباتهم الخشبية وينادون على خيرات الله من الفجر حتى مغيب الشمس، وحين يدركهم العطش، يقرعون أبوابنا طالبين الشاي قبل الماء البارد، عمال البناء مظلتهم الشمس، الشحاذون مظلتهم ظل نحيل من الجدران..مدخل أم البروم الذي يفضي يسارا إلى (الخضّارة) الشباب أصحاب بسطات الفاكهة والخضراوات، مظلاتهم قماش خفيف وأسمر مثل وجوههم الطيبة.. في شارع الكويت على الرصيف الايسر موقف العربات الخشبية تنقل البضائع من والى..يجلسون في عرباتهم يتحدثون وعيونهم صوب رزق ينتظرونه ، باعة الكتب بالقرب منهم : أبو حوراء أعرفه منذ كان جايجي قرب بار البتراء، قبل ربع قرن، الآن يبيع الصحف والمجلات في شارع الكويت، كريم الطويل الهادىء الجميل، بائع الكتب المتساهل معنا حد التناسي ، سليم القارىء النهم، بائع الكتب الذي تضايقه الشرطة لأنه يستغل الرصيف!! والشرطة نفسها لاتتضايق من الادوات الكهربائية الثقيلة وهي تردس على الرصيفين، ملوحة ً(حك ماننطي وحكنا انريده) ،على الرصيف المقابل بساطات الصيارفة الشباب في الهواء الشرجي الطلق،وفي الشوارع، ترامز ملأى بالمياه الباردة وأقداح بلاستك تنتظر الشاربين والشاربات ، قرب فندق حمدان بادر قلب بصري ونصب شمعة ماء بارد لتبلل امهاتنا وحفيداتهن رؤوسهن ، وليبرد الكهول وجوههم.. الكل يسعى للكل : أصواتهم معطرة بالكفاية الموجعة : نحمد الله، الحر ولا..غير شي ..!! أنهم لايعلنون يتجنبون ذكره هذا ال(غير شي)..(سواق الكيات) في طابور مشمس ينتظرون ركاب أبي الخصيب، والسيارات الكيا، لايحق لها الوقوف جوار المبنى القديم للمحافظة فشرطة المرور أشد قساوة من هذه الشمس.. أيتها القارئات الكريمات أيها القراء الأفاضل..هؤلاء كلهم يكدحون في الشمس ومعهم بائعات السمك في مدخل سوق الخضّارة وسوق بيع الدجاج الحي ،البائعات أيضا مظلتهن الشمس الغاضبة على البصرة..ومن ينسى أولادنا من الشرطة في الشوارع ؟ أتساءل كل هؤلاء : هن / هم البصرة بوجهها المضاء بالسمرة المباركة، هن وهم بصرة الخير والكدح والمكابرة ، عند مغيب الشمس نتبادل الإبتسامة وينظر الجميع إلى(صفار الشمس) وأنظر معهم وأقول بيتا أقترضته من الشاعرالشعبي الخالد شاكر السماوي ..(شمس الماتريد أتغيب اتصفر)...
والسؤال الرسمي : لمن العطلة بسبب إرتفاع درجة الحرارة في البصرة : للغرفة الحكومية المكيّفة 24 ساعة !!