فضاءات

في محطات النضال.. الإفلات من قبضة الموت / علي عرمش شوكت

في يوم التاسع عشر من أب عام 1973 وعند عودتنا الى الوطن بعد انتهاء رحلة دراسية في الاتحاد السوفيتي، وكان علينا ان نسلك الطريق عبر سورية ونحو منطقة زاخو عبوراً لنهر الخابور، بواسطة احد المهربين الذي سلمنا الى نظير له في الجانب العراقي، كنا اربعة رفاق كاتب هذه السطور، وحميد النجار، وصبري من العاملين في صحيفة طريق الشعب و الرفيق سلام من الحلة، اصر المهرب الذي ينقلنا بسيارته القديمة ان نمر على مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني في مدينة زاخو، والا سيحرقون سيارته اذا لم يعلم المسؤول بالمقر. الا اننا اجبرناه على ايصالنا اولاً الى بيت مضيفنا وهو معلم شيوعي اسمه عباس مبعد الى زاخو.
وضعنا امتعتنا في بيت رفيقنا واخبرناه بطلب المهرب بضرورة زيارة مقر "حدك". ذهبنا ولم يخطر ببالنا ان سنواجه موقفاً عدائياً، لمعرفتنا بان الحركة الكردية حليف تأريخي لحزبنا، الا اننا تفاجأنا بسلوك اكثر من عدائي، وعندما التقينا بالمسؤول الاول في المقر المدعو " عيسى سوار " استقبلنا بالشتم وبصوت زاجر ووجه متجهم ينم عن شخص مشحون بالحقد والكراهية الى حد بعيد، ثم وجه لنا سؤالاً عن السبب الذي جعلنا نسلك تلك الطريق؟ . اجبناه باننا طلاب دراسة في الاتحاد السوفيتي وقد انتهت جوازاتنا ولم تجددها لنا سفارة النظام لكوننا محسوبين على الحزب الشيوعي العراقي، هنا زاد غضب المجرم " عيسى سوار " واخذ يشتم الحزب الشيوعي .
لابد من الذكر ان في تلك الفترة كانت قد تشكلت " الجبهة " بين الحزب الشيوعي وحزب البعث الحاكم، ومن جانب اخر قد اشتدت الخلافات بين الحركة الكردية والحكومة الى حد القتال.. واصل " عيسى سوار " التحقيق معنا و عندما عرف باننا من الشيوعيين طرح علينا سؤالاً: " من اي حزب شيوعي انتم ؟ " فاجبناه في العراق حزب شيوعي واحد. كرر السؤال : هل من حزب عامر عبدالله ام من حزب عزيز محمد ؟ ، اجبناه لا يوجد غير الحزب الذي يقوده عزيز محمد، فهاج وماج واستخدم كلمات نابية ضدنا وضد الحزب وضد الجبهة ومن اقامها. وطلب من الحرس ان يضعونا في غرفة الحرس . فقادنا مسلحان الى الغرفة التي تقع في مدخل المقر.
حينها شعرنا باننا في قبضة عدو يتأبط لنا شراً. فقررنا ان نرفض الدخول في غرفة الحرس، التي يبدو عليها معدة كزنزانة سجن، فجرى جدل شديد بيننا وبين الحرس، دام بحدود خمس دقائق كانت تعادل بالذهب او اثمن، لكونها اتاحت لنا التصادف مع شخص قد انقذنا، هذا الرجل واسمه " حسام سعد الله " مهندس كردي قد التقيته عام 1965 في معتقل خلف السدة، وكنت أنذاك ممثلاً للمعتقلين امام ادارة المعتقل، وعندما جيئ بمجموعة من المناضلين الكرد وكان ابرزهم السيد" مام نوري شاوس " رجل كبير السن، فقمنا بتقديم خدمات لهم من افرشة وملابس ورتبنا لهم مكانا مناسبا في القاووش وحتى كلفنا احد افراد الشرطة من حرس المعتقل " يتعاون معنا سراً " بحمل رسالة لبعض اقارب لهم في بغداد بغية اعلامهم بانهم في معتقل خلف السدة
وعند دخول الاستاذ" حسام " فوجئ بوجودي في المقر، صافحنا بحرار وتساءل عن وجودنا هناك فاخبرته بما جرى لنا ولان يحاولون اجبارنا الدخول في غرفة الحرس عنوة، فاستغرب وبادر بالتأكيد على الحرس بالاهتما بنا الذين قد اطاعوه فوراً مما بين بانه في موقع المسؤولية هناك. على اية حال ذهب الرجل مسرعاً الى الداخل ولم يسغرق وقتاً طويلاً عاد وكان يبدو عليه التذمر طلب منا ان نرافقه الى خارج المقر ونحو وسط المدينة، واوصانا بالخروج من زاخو على الفور وترجانا ايضاً الا نذكر ما جرى لنا في مقرهم. لم يواصل المسير معنا حيث توقف على بعد امتار من بيت رفيقنا، شعرنا بانه لايريد ان يتعرف عليه صاحب البيت، استقبلنا الرفيق عباس وهو كان قلقاً علينا، سردنا له ما جرى لنا في مقر حدك وكيف خلصنا من عيسى سوار، ثم تحرك الرفيق الى الخارج وجلب لنا سيارة " جب " اقلتنا الى " القوش " وهناك قمنا باخبار الرفيق " ابو جميل " وبعدها في الموصل اخبرنا رفاقنا ، وفي بغداد اخبرت قيادة الحزب ايضاً بما جرى لنا.
ولكن للاسف الشديد بعد ذلك استبق المجرم " عيسى سوار " تدارك الحزب لامر السالكين تلك الطريق واخذ يصطاد العابرين للخابور من رفاقنا من على ضفة النهر مباشرة، مما ادى الى استشهاد احد عشر رفيقاً على يد المجرم "عيسى سوار" وهكذا افلتنا من قبضة الموت وهي ليست المرة الوحيدة التي حصلت لي في محطات النضال وسوف ادونها لاحقاً.