ادب وفن

ذاكرة مسرح طلابي / ماهر الكتيباني

شكل معهد الفنون الجميلة في البصرة، الذي تأسس عام 1977، رافدا هاما في تغذية النشاطات الفنية كافة، بالطاقات الموهوبة التي تشغل الآن مواقع متميزة، وبمختلف الاختصاصات، بخاصة الفنون المسرحية، الذي برز نشاطه في المعهد بشكل لافت في سنواته الأولى عبر تقديم سلسلة متواصلة من النتاجات المسرحية، التي أخرجها التدريسيون فضلا عن الطلبة المطبقين الذين امتلكوا الكفاءة، والخبرة التي مكنتهم من معالجة النصوص المسرحية العالمية الهامة، وقد ظهرت منهم أسماء لامعة في تأريخ المسرح البصري، والعراقي ومنهم: حيدر الشلال، وحميد صابر، وكريم محمود، وقاسم علوان، وكريم خزعل، ومن الطلبة خليل الطيار، وكريم عبود، وفؤاد عبد الكريم، وعبد الخالق كريم، وهشام شبر، وفي دورات لاحقة برزت أسماء أخرى مثل: على الحمداني، ونزار كاسب، وفاضل صالح، وفائز الكنعاني، وقيصر خلف، وعبد اللطيف هاشم وماهر منثر، وياسر البراك، وماهر الكتيباني، وعباس حمدان، وعقيل الشلال وخلود جبار، ولمياء هاشم، وغيرهم الكثير، ولو أردنا الحديث عن النتاجات فضلا عن الأسماء التي افرزها المعهد، نحتاج إلى دراسة مستفيضة، يجدر بطلبة الدراسات العليا التوغل بمضمارها الرحب، ليشبعوها بحثا وتنقيبا، وتحليلا، حتى يتسنى للمتابعين والمختصين التعرف على تلك النتاجات الكبيرة، التي تمثل ذاكرة مضافة للمسرح البصري، والعراقي، وهنا سأفرد سطورا للحديث عن مسرحية "الفراغ" المعدة عن مسرحية "إخوان الصفا" للكاتب "حسن أحمد حسن"، التي اخرجها الطالب المطبق "عبد اللطيف هاشم الكعبي"، ومثل شخصيات الرجال الأربعة فيها كل من:"ماهر منثر" و"ماهر الكتيباني" و"باقر ابراهيم" و"ياسر البراك"، فضلا عن "جليل دايش" بدور الشحاذ، و"عقيل الشلال" بدور الفضولي، و"رحيم خلف" بدور العجوز و"جانيت ليون" بدور المرأة، و"رافد لفته" جسد دور الصحفي، وقد امتزجت أيام التدريبات بالتفاني، والتنافس الإيجابي بين الممثلين، حيث كانت تبدأ التمرينات بعد نهاية اليوم الدراسي ظهرا، لتستمر ساعات عدة ، وأذكر إننا قبل العرض بيوم أو يومين أجرينا تمرينا مسرحيا استغرق ليلة كاملة قضيناها حتى الصباح في المعهد، بعدها قدمت المسرحية بتاريخ 16/1/1986، لمدة ثلاثة أيام على قاعة بهو الإدارة المحلية، والمفارقة أن مسرحية "الراكبون إلى البحر"، من إخراج الطالب المطبق "قيصر خلف" كان قد تزامن عرضها في الليلة نفسها حيث تسبق عرض الفراغ، الذي يليها مباشرة، ومازالت المفارقة قائمة ذلك أن "الراكبون إلى البحر" مأساة فيها الكثير من الحزن والدموع، في حين أن "الفراغ" مغرقة بالسخرية والكوميديا المحسوبة على أساس التنوع في مزاج الشخصيات، فيما البنية البصرية للعرض تكونت من باب كبير يتوسط المسرح. ومجمل الحدث يجري أمام هذه البيئة المكانية التي يخترقها الرجال الأربعة وهم يحملون نعشا لا يعرفون الميت داخله، ولا جنسه، أو شكله، وعبر مضمون الحوار يكتشف المتلقي أنهم جميعا ساروا خلف جنازة وفوجئوا بأنهم الوحيدون الباقون معها ليضعوها داخل بيت دل عليه الباب الكبير، وقد ظنوا انه مسجد، ثم تسمروا أمام الباب بانتظار شخص مقبل يعرف صلاة الجنازة ليصلوا على الميت، وتتوالا الأحداث، والشخصيات وتجري بينهم جدالات، وخلافات، وصراعات، حتى يتم الكشف أخيرا عن فراغ داخل النعش، وعفونة قاتلة، أراد المؤلف أن يكشف ما آل إليه مصير العرب بعد النكسة التي أحاقت بهم عام 1967، والعفونة التي تعتري فراغ عقولهم، فيما ركز المخرج المطبق "عبد اللطيف هاشم" على التنوع الشكلي للممثلين، واستثمار إمكانياتهم الأدائية في بناء شخصياتهم وتنوعها، لينتج عرضا امتلك قدرة التأثير بالمتلقي، الذي توافد إلى المسرح على مدى ليالي العرض بأعداد كبيرة، وهكذا فان سِفرَ المسرح البصري ممثلا بنتاجات معهد الفنون الجميلة، في ثمانينيات القرن الماضي، قد شكل ذاكرة خصبة، ومرتكزا حيويا حافلا بالإبداع، والعطاء.